في مشهد لا يغادر الذاكرة السياسية سريعاً، تجسدت مقولة 'السحر إذ ينقلب على الساحر' بوضوح في 'غزوة الدوحة' الفاشلة التي استهدفت قادة حركة #حماس. كان بنيامين نتنياهو، مدفوعاً بوهم 'النصر المطلق'، يرمي بأوراقه الأخيرة على مائدة القمار السياسي، معتقداً أن استغلال أحدث تقنيات الاستخبارات الرقمية وقدرات التجسس سيمنحه ضربة قاضية. لكن، ما جرى لم يكن سوى فشل مدوٍ كشف ضعف حكمته الاستراتيجية وأظهر أن الاعتماد المفرط على الأدوات التقنية دون رؤية أخلاقية أو تقدير سليم للعواقب الجيوسياسية، لا يؤدي إلا إلى العزلة وكسر العصا. هذه العملية لم تفشل فقط في تحقيق أهدافها، بل قلبت الموازين ضد تل أبيب، وأثبتت أن القدرات التكنولوجية وحدها لا تصنع النصر.
إن تداعيات هذه العملية الغادرة تتجاوز حدود الخسائر العسكرية أو الدبلوماسية المباشرة. ففي الوقت الذي تتنصل فيه واشنطن من معرفتها المسبقة، يبدو الأمر مثيراً للشكوك، خاصة وأن التنسيق الأمني والاستخباراتي بين الولايات المتحدة و#إسرائيل يعتمد على شبكات معلوماتية متطورة وتبادل بيانات استخباراتية شبه آني. كيف يمكن لإدارة بهذا الحجم والتطور التكنولوجي أن تدعي عدم علمها بعملية بهذا القدر من الحساسية على أرض دولة حليفة؟ هذا التناقض يلقي بظلال كثيفة على مصداقية العلاقات الدولية ويثير تساؤلات حول استخدام تكنولوجيا المراقبة والتجسس في سياق يفتقر للشفافية والأخلاق، مما يعمق أزمة الثقة العالمية ويُفقد واشنطن مكانتها كوسيط نزيه.
على الصعيد الداخلي، أثبتت 'غزوة الدوحة' أن نتنياهو، في سعيه المحموم لتخليد اسمه كـ'أحد أبرز مجرمي الحرب الإسرائيليين'، لا يكترث بالقيم أو القانون الدولي. فالفشل لا يجد له آباء، وقد وجد نتنياهو نفسه وحيداً في مواجهة تداعيات قراره الأرعن. لقد أضفت هذه الفعلة النكراء مصداقية إضافية للرواية الفلسطينية، وكشفت للعالم أجمع من هو المسؤول الحقيقي عن استمرار المذبحة في #غزة. في المشهد الرقمي العالمي، حيث تنتشر الأخبار بسرعة الضوء، بات من المستحيل على الأبواق المتصهينة في #فلسطين والعالم العربي أن تُلقي باللائمة على حركة المقاومة الفلسطينية، بعد أن تكشفت أساليب #تل_أبيب البائسة. هذا الفشل يشكل نقطة تحول حاسمة في سرد الصراع، مدعوماً بانتشار المعلومات الفوري عبر المنصات الرقمية.
المفارقة الأكبر تكمن في أن هذه العملية، التي كانت تهدف إلى تصفية المفاوض الفلسطيني وإحراج الوسطاء، ستجد #إسرائيل نفسها مرغمة على العودة لمسار المفاوضات، وربما بشروط أصعب وأكثر ملاءمة لمن أرادت قتلهم. لقد أكدت 'غزوة الدوحة' على الدور المحوري لـ #قطر كوسيط لا غنى عنه، وباتت الدوحة بحاجة لإسناد عربي أوسع وضمانات دولية أقوى. إن هذا الحدث يعيد تقييم مكانة #إسرائيل كـ'ذخر' لحلفائها، فبعد طوفان الأقصى، تتزايد قناعة الكثيرين بأنها أصبحت عبئاً ثقيلاً، خاصة مع تزايد هشاشة مسار التطبيع بسبب هذه المغامرات المتهورة التي تستهدف استقرار الإقليم وتستخدم التكنولوجيا كأداة للعبث الأمني.
في خضم هذه التحديات، يجب على الدول العربية أن تتجاوز مربع 'الإدانة بأشد العبارات' إلى تفعيل أوراق الضغط والقوة التي تمتلكها. فالتوحش الإسرائيلي لم يعد يقتصر على حدود غزة، بل بات يهدد أمن المنطقة ككل. إن التجربة أثبتت أن واشنطن لها حليف واحد في الشرق الأوسط هي إسرائيل، والباقي مجرد 'فراطة'. لذا، فإن استثمار الدول العربية في تعزيز قدراتها الاستخباراتية والأمنية المستقلة، وتطوير دبلوماسية رقمية فعالة، وتشكيل جبهة عربية موحدة، لم يعد خياراً بل ضرورة وجودية. هذه الأزمة ليست مجرد حدث سياسي، بل هي دعوة لإعادة تقييم شاملة للاستراتيجيات الأمنية والتحالفات الإقليمية في عالم تزداد فيه أهمية التكنولوجيا في تشكيل المعادلات الدولية.
المصدر
0 Comments